+966577212676

حلّي الوحيد | الهرب

.

عالقةٌ في الكآبة، أحاول قدر استطاعتي أن أهرب.. لكني في الداخل لا أريد، إنها الحاجة التي تجعلني أحاول دفع قدمي للحراك، للمشي، للجري.. للهرب.. مرت عدة أسابيع وأشهر وأنا على هذه الحال، لا أستطيع التنفس بشكلٍ جيد، لا أستطيع إتمام فرحةٍ دون أن أنتكس، أستيقظ بمزاجٍ سيء جدًّا، أضع رأسي على الوسادة وأنا أملؤه بالكثير من العبارات الجيدة مثل (غدًا سأنجز، وغدًا سأنتهي من كل ما يثقل خاطري، غدًا سأكون حلوة.. غدًا يوم أجمل) لكني سرعان ما أفتح عيني على عالمٍ غير متصل أبدًا بما قُلت!

.

الخامس والعشرين من شهر أبريل، الجمل القصيرة لا تُفيدني في شيء الآن، وأشياء كثيرة لم تعُد تُغريني.. لا أستطيع أن أكتب نصًّا قصيرًا وأقول عنه أنه أراحني من هذا الهمّ في صدري، أحتاجُ نصًّا طويلًا يُشبه تخبطاتي، أحتاجُ نصًّا يعرفُ الفراغ لكلمةٍ مفقودة من النص؛ تُخل بتوازنه.. تمامًا كما أفعل عندما أحتاج أن أهرب ولا أستطيع.

لنتحدث عني، لا يُهم أحد.. لنبقي الحديث عني؛ أفتقد صديقتي.. آذيتها بطريقةٍ سيئة على ما أظن، رغم أنّي في البدايةِ وجدتُ عذرًا لنفسي عندما قُلت (لكني لم أفعل شيئًا خاطئًّا عندما اعترفتُ بخطئي)، لكني لم أدع للوقتِ مجالًا ليُرسي الثقة بيننا، على أيةِ حال، أنا أفتقد هذه الصديقة.. ولا أظننا يومًا سنكون على ما يرام.

لا زلتُ أشعر بالسوء اتجاه شخصٍ ما آذيته، رغم أن هذا السوء راح يقل كثيرًا، لكني لا زلتُ أشعر بالسوء.. لا أُصدق أني فعلتُ هذا. يبدو أننا نفعل أشياءً كثيرة في لحظاتٍ مجنونة دون أن نعي ذلك، نُصبح أشخاصًا آخرين عندما نغرقُ بحبّ أحد ونسير معه على خطّ جنون واحد، لقد كنتُ حقيرة دون قصد، وهذا ما يوجعني.. لو أني تعمّدتُ ذلك لكان لدي سببٌ واضح لأسامح نفسي؛ لكني بعد لم أفعل.

أخافُ من القرب الكثير، لا أُمانع أن أكون قريبة.. ولا أثق بسرعةِ أن يكون بقربي أحد، لذلك تنخقني رغبات الآخرين بالبقاءِ في امتدادِ يومي من أمسي لغدي، تخنقني الرغبات البسيطة التي تأتي من عَفَويتي عندما أكون بمزاجٍ يسمح لي أن ألون كل شيء.

لقد مرّ شهرين أو أكثر الآن منذ أن ساء نومي، ولم أعد أنام في التاسعة أو العاشرة، في الواقع.. لم أستطع النوم البارحة حتى ناصف الوقت الخامسة فجرًا، كان ذلك مؤذيًّا على الصعيد النفسي والجسدي، لم أكن قادرةً على الاستمتاع بالوحدة، وجلّ ما كنت أخشاه/ أتمناه أن يخترق هذا الهدوء أحد.

يقولون لي أشياء كثيرة، لكنهم لا يعلمون.. أنهم متشابهون، وأنا مُثقلة بأشيائهم هذه، اليوم فقط.. كنت أستمع لمقطوعة تذكرني بأحدٍ ما، وجلّ ما قطع أشواطًا في عقلي لحظتها: كان يقول لي: “يا صباحي الجميل، وحشتيني..” / “من زمااااان ما كلمتش” .. بلهجته المحلية وصوته الناعم.. وكل هذا يجعلني أشعر بالثقل أكثر.

لك أن تتخيل أن تستمع للجملةِ ذاتها في اليوم ذاته عدة مرات، بعدةِ طرق، بعدةِ أصوات، بعدة لغات، بعدةِ لهجات.. من عدة أشخاص..

– وينش عني

– يا حلو صبّح، يا حلو طل

– صايرة تتأخري وايد في الصحية من النوم

– I hate that we can’t spend time together 

– I am here, just let me know 

– I miss you 

– ياتنة! 

– ما تسألي عني

– .. أعني، لقد فهمت ما أعني أليس كذلك؟ 

متعبةٌ أنا من كمية الفقد هذه، متعبةٌ من عدم قدرتي على أن أكون أنا، وأنا لم أحظَ بعدُ بوقتٍ لأكون أنا.

.

.

وحدي من يستطيع أن يعرف الفوضى التي يخلقها وجود بعض الأشخاص في محيطي دون أن يعرفوا، وحدهم من يستطيعوا إطلاق ساقي للريح.. أو إبقائي بالقرب.

كنتُ أنظر في الأمام، تمييزه لم يكن صعبًا، وأشكّ حتى في لونِ وجنتي.. لولا السواد لربما كان الوردُ بارزًا فيهما، رغم أني لم أكن أصدق بحدوث ذلك، لكنه يحدث! على أيةِ حال، تلك اللحظة تحديدًا، لا أعرف ماذا جرى.. لكني شعرتُ بنبضي يتسارع، كان ذلك مريبًا/ مُقلقًا لي.. وشعرتُ أني مربوطةٌ بخيطٍ رفيع في قدميه، عندما تبتعد.. ينتكس رأسي، عندما يقترب.. well .. لا يزالُ منتكسًا بيقظة!

.

يميلُ الأصدقاء والمقربون لإغراقنا بالاهتمام، لكن أحيانًا.. لا يستطيعون تقييد مشاعرهم فوق الحد الذي نحتمله، أتعاملُ بسهولةٍ مع الذين يقولون الغزل ولا يعنوه، الذين يودون رسم ابتسامةٍ على شفتي بالكلام الحُلو دون فعل، يعرفون أني لا أريد منهم، ولو عرضوا لن أقبل، كأن أتذمر عند أحدهم بشدة حول رغبتي بشراء جهازٍ جديد، وبكلِ بساطةٍ يعرض علي ذلك.

هو يعرف أني لن أقبل، وأنا أعرف أنه لن يفعل.. لكننا ببساطة نبتسم لأجلِ هذه الكلمات المزيفة اللطيفة التي تستطيع تغيير أقواس الشفاه بقدرةٍ عجيبة.

ويميل البعض لإغراقنا بمشاعرهم حدّ الشعور بأننا مُلكٌ للطفهم فنهرب، نشعر بالدلال فوق الحد الذي لا نستطيع فيه أن نكون قاسيين بالطريقة التي نحن عليها، يسقطون علينا بكل الهشاشة التي تملؤ مشاعرهم ناحيتنا، ونحن نعلم.. أن ما بأيدينا يمكنه تحطيمهم بالكامل، أو تحطيمنا بالكامل.. وعلينا أن نختار، وأنا أختار حلًّا غير مذكور.. أنا أهرب.

.

.

كنتُ غارقةً في ملامحهِ، منذ المرة التي كان الوردُ يغطي وجهه فيها.. ولا أُنكر انجذابي الشديد ناحيته، وأعرف.. أني أحتاج أن أتغزل فيه حتى أتشبع، حتى يُصبح شيئًا عاديًّا، حتى حينما حانت اللحظةُ التي قال من نفسهِ فيها: تعجبني هذه القصيدة، لم أشعر بشيء..!

لقد كان شيئًا غريبًا، خصوصًا أن القصيدة نفسها جميلة، لكني لم أشعر بشيء فعلًا، لم تعد لدي الرغبة في قولِ شيء، أو مشاركة شيء.. أو حتى الاهتمام لشيء، أتذكر حتى عندما كنت أتابع بعض الأشياء التي يشاركها أصحابها في الحسابات العامة، أكون متواجدة في لحظةِ مشاركته لصورة، وبيني وبين نفسي أخجل من فتحها مباشرة لـئلا أكون شخصًا سيئًا مع نفسي!

لكن ذلك لم يعد مهمًّا الآن، بات الأمر عاديًّا.. تجاوزتُ الخجل فيهِ مع نفسي.. وعدتُ لطبيعتي، وهذا يُريحني جدًّا.

تريحني اللحظات التي أكونُ فيها أنا دون أن أراعي معرفة بضعة حقائق سابقة، مثل اللحظةِ التي ابتسمتُ فيها بسؤالٍ عابر عن الحال ولم أنتظر لتلقي الإجابة، لقد كانت الحقيقة التي تطرق عقلي حاجزًا موجعًا، لم تعد حقيقةً مهمة.. منذ أن رفضت الاستماع لأي منها.

لكني لا زلتُ أستمتع بإطلاق الوردِ كاسمٍ عليه، أعني.. من يُنكر وسامته وشبههُ بالورد؟!

.

.

إنه الأسبوع الأخير ما قبل الاختبارات، لستُ مستعدةً لذلك.. وكلّ ما كنتُ أفعله اليوم كان يأتي على صورةِ (افعلي كل ما تريدين كي تستطيعي الدراسة فيما بعد حتى لو كان الوقتُ ضيقًا) رغم أني أشعر بالخوف فعلًا من ندمي على هذه اللحظات فيما بعد، لكني لا زلتُ أشعر باليأس من نفسي، ومن ضرورة بدءِ الدراسة.

يذكرني الأمر بالعام الماضي، تمامًا في مثل هذا الوقت، كنت منهارة.. لم أكن أريد أن أخطو المزيد حتى، لم تكن لدي القدرة.. ولم أفعل إلا قبل الاختباراتِ بيومين!

لم أفعل إلا وروحي مربوطةٌ بخيطٍ فوق رأسي، في أي لحظةٍ قد تسقط، في أي لحظةٍ قد ترتفع.. ولم أستطع التنفس حتى انتهت هذه المرحلة.

.

.

أكتبُ لأني لم أعد قادرة على المناورة، لأن الكتابة هي المتنفس الوحيد عندما لا تستطيع أن تختار الكلمات ولا الأشخاص كي تعبر ما بداخلك، أو حتى لم يعد التعبير عند الآخرين حلًّا، أكتب لأن بعض الأفكار لا يمكن مناقشتها، ومناقشتها لا تغير من حقيقتها أو من طريقة تصرفك حيالها، أكتب لأني أضمّن تعويذة في نصوصي.. وكلما ذكرت (تعويذة)، تذكرت عينيه وهمسه وهو يقول: you put a spell on me – رغم أنه لا يتذكر، لم يكن واعيًّا أصلًا.. لكني أتذكر بشدة، كان الأمر مُدهشًا لي، لم أجد ما يجعل الجملة صحيحة.

على أيةِ حال.. وكثيرًا ما أعدتُ هذه الجملة، الرسم يجعلني في حالةٍ أفضل، والموسيقى تجعلني كذلك، وما بين الرسم والموسيقى هنالك فكرةٌ تقول: اشتري بيانو قريبًا وتدربي أكثر.

وهنالك فكرةٌ أخرى تقول: هنالك من سيقول أني أقوم بتقليده، وهنالك صوتٌ في داخلي يقول: هذا شغفكِ، لا show مثلما يفعلون!

.

أستمع للموسيقى الأخيرة التي علقتُ معها، بنسختيها الأصل والـ Cover! .. وأعتقد أنه حان الوقت لأتوقف عن الكتابة.

شارك:
0 تعليقات on حلّي الوحيد | الهرب

Post a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *