+966577212676

كُنتُ الحذاء في اللعبة

.

كُنتُ الحذاء في اللعبة

.

.

يقولون أن الوجعَ لا ينتهي؛ إنما فقط يتخذُ مقرًا بعيدًا في الذاكرة. كنتُ لوهلةٍ أصدق هذه العبارة.. أعني، عندما كنتُ موجوعة، عندما كنتُ أحبه، عندما كانت تبدو لي الحياة مُعلقةً بين يديه.. وعندما كان الحُلم يبدُو مجرد مصافحةِ كفه.

.

وبغض النظر عن كيف تمزّق هذا الحُلم بكابوس، وعن الأطراف التي وثقت هذه الحادثة في صفحاتِ حياتهم الشخصية، وعن تعلقي الشديد بما تبقى في ذاكرتي، أحفره بشدة في جدرانٍ آيلةٍ للسقوط، وأحاول بشدةٍ أكثر أن أخلق صفحاتٍ جديدة لهذا الفصل من حياتي كي يبقى الوجع، لكنه ذهب.. هكذا! بطريقةٍ ما، أظننا عندما نكبر تنسلّ منا عواطفنا دون أن نشعر، تنسلّ كدموعنا الغبية التي تفصلنا في لحظةٍ في السينما لنستوعب أننا نبكي في فيلمٍ كوميدي؛ ليس إلا لأننا حمقى.. نتأثر بسرعة – بالطبع تبعًا لجودة الكاتب وبراعة المخرج – .

.

كُنت أعتقد كما يعتقد الذين يكبرون، أن القراميد التي وُضعت في بدايةِ الحياة قد اُستبدلت، وأنها لم تعد موجودة بعد كم العواصف والزلازل التي مرت، أعني.. تعرفون بالطبع أن زلزالًا بدرجةِ ٤ رختر لن تفعل أكثر من إحداث بعض الفوضى، وإيقاع بعض المشاعر التي سُرعان ما نُعيد ترتيبها بحركةٍ بطيئة، وأحيانًا أسرع مما نتصور.

.

وتعرفون أن الأماكن التي تتعرض للزلزال مرة، معرضة لآخر..؟ هذه حقيقة.. لكننا ننساها كلما سرق منا الوقت عامًا آخر من أعمارنا، كلما دفع بعاصفةٍ ما جدارًا للسقوط، وكلما أسقط بزالزالٍ سقفًا يُعاد بنائه للضرورة!

.

.

نحن ننسى، وأنا نسيت.. بالرغم من أنّ جداري الآيل للسقوط لم يسقط بعد، لكنني نسيته، لا أعرف كيف أعبر المتاهة إليه، ولا أريد..

.

.

.

الأول من مارس، يأتني اتصالٌ من الماضي. كأن أحدًا كان يستلّ مني خنجرًا طوال ثلاثة عشر عامًا دون أن أشعر! أحيانًا كان يحدث بعض الزلازل البسيطة، وأحيانًا واحدًا بأعلى من ١٠ رختر كدرجةٍ للمدى الذي يتركني فيه ضائعة، وهائمة على وجهي لا أعرف كيف أعيش مجددًا.

كانت دموعها ونبرتها المتهدجة تعبرُ بي في متاهتي المنسية مغمضة العينين، أعرفُ الظُلمة هذه، أعرفُ كيف تشعر قدماي، أميز الرائحة السيئة لدموعي البريئة، وأعرف صوت نبضي عندما يختل توازنه.. كما في اللوحة المقسومة لنصفين..

نصفٌ لمتاهتها ونصف لمتاهتي..

نصفٌ لتخبطاتها ونصفٌ لذاكرتي..

نصفٌ لدموعها ونصفٌ لتنهداتي..

نصفٌ لزلزالها، ونصف لمعاناتي..

نصفٌ يتعرف على خطواتها للمرة الأولى، ونصفٌ يعرف خطواتي..

كنتُ أعتقد أني نسيت، لكني لم أنسَ..

.

كمن يشدّ على خيطِ طائرته الورقية في رياحٍ عاصفة، ألفُ طرفَ قميصها في نصفي، وأخاف عليها من الوقوع.

كمن يخشى على رؤيةِ ذاكرته تنفتح من جديد، أصلًا لا يعرفُ لماذا هو مضطر للعبور في هذا المسار مجددًا..

أصبحُ عينيها ويديها وقدميها وضلعيها المكسورين في رئتيها، أصبح في خاصرتها الجانبين المتآكلين حد احتمال التعب، أصبحُ الضوء الذي يُرشدها لنهاية المتاهة، وأصبح الكأس الذي تسكرُ بهِ كي تهدأ.. أُصبح الذاكرة التي لم أختر أن أكونها..

لكني أصبح كل شيء تراه، مجبرةٌ على رؤية القصّة من جديد .. مجبرةٌ على نكءِ جرحٍ قديم .. لم أعد أذكره، لم يعد يؤلمني، لم يعد يعني لي شيئًا سوى أنه الماضي الذي جعلني أنا الآن!

.

بالرغم من حُزني العميق لها وعليها، أشعرُ بالحزنِ على نفسي.. كنتُ ظننت الوجع انتهى..

وأن المكان الذي ضربه الزلزال ودمره بشدة حتى لم يعد صالحًا للتدمير مجددًا لن يتعرف لزلزالٍ آخر..

وبالرغم من أن الزلزال لم يعنيني.. لكنه كان قريبًا مني للدرجة التي أسقط فيها بعضًا من المشاعر التي يجب علي إعادة ترتيبها.

في الواقع، الأمر أن الوجع لا ينتهي لأنه يُعاد.. إنما يمر بمراحل عديدة..

.

أن تكون داخل الوجع، ثم أن تكون على محيطه.. ثم تكون خارجه.. ثم تنظر إليه من خارج نفسك، ثم تُسقط على أشباهه ذاكرتك، ثم تسقط أشباهه عليك، ثم تكره وجعك، ثم تنبذ وجعك.. ثم تتصالح معه وتهدأ، ثم تتعايش معه.. وتنساه، ثم ما تلبث تعتقد أنك انتهيت منه.. تُصبح الشخص الذي يدون هذا الحدث لآخرين في صفحتك الشخصية!

.

تُصبح أنت الأم التي أوجعتك، تصبحُ الأب الذي وبخك، تُصبح الغرفةَ التي تعبت من احتمالك في زواياها، تصبحُ الوسادة التي أجهضت مراتٍ دموعك، تصبحُ الصديق الذي تبكي لديه، تُصبح الرفيق الذي تغفو لديه، تُصبح الصاحبة التي تبكي معك.. تُصبح كل شيء، إلا أنت.

.

في الحقيقة.. أنت تعيش وجعًا خارج نفسك، خارج جسدك ونطاقك، لا تعرفُ أين أنت بالضبط..

وتبكي، مثلما بكيت في ذاك الفيلم الكوميدي، وأنت تعرف تمامًا في تلك اللحظة أنك فقدت مشاعرك رغم أنه فيلم وأضحكك..

.

.

أنت تصبح واثقًا الآن.. أن الوجع لا ينتهي، لكنه يجد طريقةً للولادة من جديد، حتى لو عنى ذلك أن لا تكون أنت المعني، وأن تمرّ ببقايا قلبك في المتاهة وتميزها دون أن تشعر بالألم.. وأن تشعر بالأسى لأنك في ذاك الحين لم تكن تجد أحدًا يفهمك، وأن المتاهة invented لأجلك في تلك اللحظة. تشعرُ بالحزن لأنك كنت أعمى، لأنك كسرت في داخلك أشياءً ما كان يجب أن تُكسر، ولأن ذلك كلفك الكثير.. لم يكن هنالك أحد لأجلك.

لم يكن هنالك إلا أشخاصٌ وثقوا هذه الحادثة في ذكرياتهم، كانوا الأشخاص الذين يُسقطون عليك أشباهك..

كُنت.. الرقم ٦ في النرد كي تبدأ اللعبة..

كنتَ.. الجوكر الذي يغير اللعبة..

كنتَ.. الكرت الذي يعكس اللعبة..

كنت.. الحذاء في اللعبة..

وكان القدر والحياة يتراهنانِ على الفوز بك أو عليك.

شارك:
0 تعليقات on كُنتُ الحذاء في اللعبة

Post a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *